أحمد بن علي القلقشندي
96
قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان
الكناني . فقدم به على هرقل ، فأجاب عمر إلى قصده ، فلما عزم على الرجوع إلى عمر ، قال له هرقل : هل لقيت ابن عمك جبلة ؟ قال : لا . قال : فالقه . قال : فأتيت باب جبلة فرأيت عليه من البهجة والخدم ما لم أره على باب الملك ، فاستأذنت عليه ، فأذن لي ، فدخلت عليه ، فقام فاعتنقني وعاتبني في تركي النزول عليه وإذا هو في بهو عظيم على سرير من ذهب ، وحوله من التماثيل ما لم أُحسن وصفه ، فأمرني أن أجلس على كرسي من ذهب . فأبيت وقلت : إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهانا أن نجلس على مثل هذا . ثم سألني عن عمر والمسلمين ، وألحف في المسألة ، فظهر على وجهه آثار الحزن ، قلت : فما يمنعك من الإسلام ؟ قال : بعد الذي كان ؟ قلت : نعم . فقال : دع عنك هذا ، ثم وضع أمامنا مائدة من ذهب ، فقلت : لا آكل عليها . فوضع أمامي مائدة من خَلَنْج . فآكلني ؛ ثم أتى بصحاف من ذهب يُدار فيها الخمر ، فاستعفيت من ذلك ، ثم غسل يده في طست من ذهب ، ثم استدعى بجوار عشر ، فجلس خمس منهن عن يمينه وخمس عن يساره على كراسي الذهب ، وأقبلت جارية وفي يدها اليمنى جام من ذهب فيه طائر أبيض ، وفي الجام مسك وعنبر سَحيق ، وفي يدها اليسرى جام آخر لم أر مثله ، فنفَّرت الطائر فتقلب في الجام ، ثم انتقل إلى الجام الآخر ، ثم طار فسقط على صليب في تاج جبلة ، ثم حرك جناحيه فنثر ذلك المسك على رأس جبلة ولحيته ، ثم شرب أقداحاً واستهل واستبشر ، ثم قال للجواري : أطربنني ، فخفقن بعيدانهنّ واندفعن يغنين هذه الأبيات : لله دَرُّ عصابة نادمتُهم . . . يوماً يجلّق في الزمان الأَولِ أولاد جفنة حول قبر أبيهم . . . قبر ابن مارية الكريم المُفضل